.





محاولات تطوير الميكانيك والسلاح والطيران في التاريخ الإسلاميّ والتركيّ.

محاولات تطوير الميكانيك والسلاح والطيران

محاولات تطوير الميكانيك والسلاح والطيران
في التاريخ الإسلاميّ والتركيّ.

في العهد العباسيّ:
لقد كان في التاريخ الإسلاميّ كثيرٌ من الاهتمام في العلوم الطبيعيّة والتكنولوجيا، وذلك معروفٌ لاسيما من عهد الخليفة هارون الرشيد وماتلاه، حيث قام الخليفة بإهداء الإمبراطور تشارلز ساعةً مائيةً كانت قد صُنعت في الديار الإسلاميّة.
في العهد العباسيّ برَع العديد من العلماء المسلمين في علوم الرياضيات والفلك وظهرت ابتكاراتٌ ودراساتٌ جديدةٌ، ومما يَعترِف به حتى الأوربيين أنّ البيرونيّ (٩٧٣-١٠٥١) قال بدوران الأرض حول محورها قبل كوبرنيكوس بنحو 500 عامٍ، ومن المؤكد أنّ العلماء المسلمين قد أثروا على الأوربيين في مجالات الرياضيات والفلك والفلسفة.
في عهد الدولة الأرتوكية (الأرتقية):
وهي إحدى الدول التي ظهرت بعد انهيار دولة السلاجقة العظام، وفيها ظهرت عدة تقنياتٍ، وبناءً على تشجيعٍ من حاكمها الصالح نصرالدين أبي الفتح الأرتقي( 1200-1222) قام بديع الزمان الجزريّ بكتابة كتابه (كتاب الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل)، والذي شرح فيه العديد من الأجهزة مثل الساعات المائيّة ومضخات المياه وغيرها، شغل الجزري منصب رئيس المهندسين في القصر الأرتقيّ لمدة 32 عامًا (١١٧٤-١٢٠٦)، كان الجزري قد درس أعمال من سبقه وتأثر بهم لكن في وقتٍ لاحقٍ حرر نفسه وبدأ بحل القضايا بنفسه ومن وجهة نظره الخاصّة، وأكد على أهمية العمل قائلاً: (هذا الكتاب يحوي على بعض الثغرات التي تمت معالجتها، وبعض الرسوم تم توصيفها مع رسوماتٍ توضح الطرق المكتشفة، أنا لا أعتقد بوجود شبيهٍ له)، وفي كتابه المكون من ستة فصولٍ يتحدث عن العديد من الأمور أهمها؛ الساعات المائيّة والمصابيح الزيتيّة ونواعير رفع المياه من مستوياتٍ ضحلةٍ ومضخاتٌ ونوافير حمامٍ.
في عهد الدولة المملوكيّة:
وقد اتضح أن تلك التكنولوجيات والعلوم الطبيعيّة قد ازدهرت ليس في عهد الدولة الأرتقية فقط بل حتى في بعض السيادات والإمارات الأُخرى التي ظهرت بعد انهيار الدولة السلجوقيّة، وأيضاً في مصر والشام في عهد السلطنة المملوكيّة، وقد اهتم علماء المسلمين بتصنيع الأسلحة واكتشافها وصولًا للبارود والمتفجرات، لاسيما فترة الحروب الصليبيّة بغية استخدامها ضد الأوروبيين للدفاع عن العالم الإسلاميّ في بلاد الشام وخصيصًا منطقة دمشق التي كانت مركزًا رئيسيًا للعلوم في القرن الثالث عشر، وذلك مع المدارس التي بناها أتابكة السلطنة المملوكيّة.
صناعة المتفجرات والبارود:
كان من الطبيعيّ جداً اهتمام العلماء المسلمين في الشام بصناعة المتفجرات والبارود خلال فترة الحروب الصليبيّة، حيث شهدت المنطقة العديد من المعارك الدمويّة، وفي تلك الفترة كان العلماء المسلمون يملكون القليل من المعلومات حول البارود للحد الكافي في استخدامه للصواريخ.
1- العالم حسن الرحمن نجم الدين الأحدب
في كتاب (كتاب الفروسيّة والمحاسب الحربيّة) و (نهاية السؤال والأميّة في تعلم أعمال الفروسية)، واللذان كتبهما العالم حسن الرحمن نجم الدين الأحدب في القرن الثالث عشر، وكانا يحتويان على المتفجرات والأسلحة الناريّة، ولأول مرةٍ طوربيداتٍ (توربيدات) مدفوعةٍ بنظامٍ صاروخيّ، ذلك العمل كان معركةً تكنولوجيةً كُتبت نحو العام ١٢٧٥، وتلك الرسوم توضح طوربيداتٍ مدفوعةً بنظامٍ صاروخيّ، ويكون الطوربيد مليءٌ بالمواد المتفجرة، ويُحدِث ثلاث نقاط تفجيرٍ.
2/ ارنبوغا الزردكاش وتيبوغا العمريّ:
كتابٌ آخر عن السلاح والجيش موجودٌ في متحف (طوبى كابى) كان قد نُسخ في القرن الرابع عشر، وهو عملٌ هامٌّ لأنه مكونٌ من ثلاثة أعمالٍ مختلفةٍ، الأول اسمه (الأنيق في المنجنيق) كُتب في العام ٧٧٥ هجريّ لابن ارنبوغا الزردكاش وهو قائدٌ أيوبيّ، وجزءٌ آخر من العمل كان غير معروف الكاتب، الجزء الباقي اسمه (كتاب الحيل في الحروب وفتح المدن وحفظ الدروب) ويتحدث عن الصواريخ والقنابل والأسهم الحارقة، كتبه قائدٌ تركيٌّ يُدعى تيبوغا العمريّ الصاقيّ المليكيّ الناصر.
يذكر ليوناردو دافينشي على أنه المُوجد الأول للصندوق المظلم (القمرة) ومضخة المياه والقرص الطائر وأدواتٍ طيارةٍ أُخرى، لكنه من الواضح أنه استوحاها من العلماء المسلمين لاسيما من الحسن بن الهيثم. وعلينا أن نتذكر أن كُتُبَ المهندس المسلم أحمد بن موسى لا تزال محفوظةً في مكتبة الڤاتيكان.
محاولات الطيران:
علاوةً على ذلك فإننا نجد محاولات الطيران في التراث الإسلاميّ قد سبقت نظيراتها من المحاولات في الغرب الأوروبي بفترةٍ طويلةٍ، فنجد مثلًا علماء مثل اسبيدجاب التركيّ المسلم قد قام بعمل دراساتٍ وأبحاثٍ حول العلاقة بين مساحة سطح جناح الطائر وبين وزنه ومثله عباس بن فرناس في الأندلس مما أعطى آفاقًا واسعةً جديدةً في مجال الديناميكا الهوائيّة.
في عهد الدولة العثمانيّة:
ونجد أكثر تجارب الطيران الناجحة والمثيرة للانتباه قد وردت في التراث والتاريخ الإسلاميّ، وهناك اثنان على سبيل المثال لا الحصر وهما؛
حزرفان أحمد چلبي و لاگاري حسن چلبي:
وذلك في الفترة (١٦٣٠-١٦٣٢) ميلادي خلال فترة حكم السلطان مراد الرابع.
وقد قام بذكر ذلك (أوليا چلبي)، وذلك في كتاب مذكراته المحفوظ في مكتبة اسطنبول، قائلاً:
حزرفان چلبي هو أوّل من قام بالطيران حول منبر أوقميدان ثمانٍ أو تسع مراتٍ، وذلك باستغلاله لقوة الرياح، وكان يراقبه السلطان مراد خان من قصر سنان باشا في حي ساريابورنو، حيث قفز طائرًا من أعلى قمة برج گالاتا وهبط في ميدان دوغانجيلار في منطقة أوسكودار بمساعدة الرياح الجنوبيّة الغربيّة بعدها منحه السطان مراد خان كيسًا من النقود الذهبية وقال له:
هزرفان أحمد چلبي، لقد نجحت في محاولتك للطيران ستُرسَل إلى الجزائر في رحلةٍ، وأما لاگاري حسن چلبي فرحلته إلى القرم ستؤجل لأنه لم ينجح حتى الآن كفايةً، وكان هذا موقفٌ غريبٌ للسلطان حيث كافأه بكيسٍ ذهبيّ ونفاه إلى الجزائر، وبعدئذٍ تباطأت المحاولات في هذا المجال
أما لاگاري حسن چلبي فقد قام بفكرةٍ غريبةٍ ووحيدةٍ من هذا النوع حيث قام بربط نفسه بصاروخٍ ذي سبع أجنحةٍ ودَفَع نفسه إلى الفضاء وهبط بعدئذٍ بواسطة أجنحةٍ تشبه أجنحة النسر على سطح البحر، ولذلك حظي باهتمامٍ هامٍّ، حيث كان هذا استخدامٌ فريدٌ من نوعه للصواريخ والبارود وفتح آفاقًا جديدةً في تقنيات إرسال الصواريخ، وذلك الوقت كان العصر الذهبيّ الأخير للدولة العثمانيّة في عهد السلطان مراد الرابع، ونُفي بعدئذٍ -بالفعل- إلى القرم حيث تابع دراساته، كما تجدر الإشارة إلى أن الدراسات الأوكرانيّة والروسيّة حول موضوع الصواريخ كانت قد تأثرت بثقافة لاگاري وطلابه وبقي في القرم حتى وفاته.
في العمل المسمى (أم الغزا) والذي كتبه علي آغا الخليفة الثاني في مدرسة المدفعية على عهد السلطان أحمد الثالث (١٧٠٣-١٧٣٠)، والمحفوظ الآن في (طوبى كابى سراي) لقد ابتكر صواريخ (تولومباس) بنفسه واستخدمها لحصار القلاع في القرن السابع عشر، ووصفه بأنه يمتلك طولًا يُقدر ب (١١-١٢) أرسنٍ (٧-٨) متراتٍ، أما عن قطرها فكان من الصعب للشخص الواحد أن يحيط به، وفي هذا العمل يربط علي آغا الفشل في المعارك بعدم تطوير هذا العلم بما يكفي، وطلب من السلطان تطوير تسليح الجيش من جديدٍ بهذا العلم، فقد رأى ضرورة اهتمام الأتراك والمسلمين بهذه العلوم.
وفي الختام:
حينما بدأ عصر النهضة للمسلمين في هذا العلم في القرن الثامن والتاسع كان قد ظهر في كلٍّ من الأندلس وبلاد الترك خصيصًا في محاولات الطيران، ومن المفهوم من أعمال حسن الرحمن وعلاء الدين تيبوغا العمري الصاقي وأعمالٍ أُخرى أيضاً أن السلاجقة والمماليك اهتموا بتصنيع الطوربيدات وتطوير الأسلحة الناريّة.
المصدر :
https://www.muslimheritage.com/article/attempts-of-flight


لا توجد تعليقات

اكتب تعليق



من أعد المقال؟