.





لا غالب اليوم إلا الله (الحمراء).

لا غالب اليوم إلا الله (الحمراء)

– لا غالب اليوم إلا الله (الحمراء).
في جنوب إسبانيا في ظل جبال الأندلس يشمخ حصنٌ يُشبه حصون الخيال بجماله ومناعته وهو حصن الحمراء.
شُيّد خلال النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي؛ امتدت عملية البناء إلى خمسين ومائة عامٍ. قلعته تهيمن على أفق غرناطة وأسواره العظيمة محاطةً بسبعة وثلاثين برجًا، وغير جماله الأخّاذ، فامتاز بباحاتٍ فائقة الجمال، ومسرحٍ دامٍ لمكائد مميتةٍ، فاشتهر كصرحٍ معماريٍّ حيٍّ للهندسة الإسلاميّة في العالم الغربيّ.
اختير ضمن قائمة كنوز إسبانيا الاثني عشر في عام 2007.
سبب تسميته بالأحمر:
شيّده الملك المسلم العربيّ أبو عبدالله محمد الأول (محمد بن يوسف بن الأحمر)، وسُمي بالأحمر نسبةً إلى لحيته، ومن هنا تمت تسميته بقصر الحمراء، ومنهم من يقول بأن سبب التسمية تربتها الحمراء الطينية التي كانت سببًا في متانة البناء.
القصر بمظهره من الخارج يُعطي رسالةً عسكريةً قويةً مفادها أن المدينة قويةٌ ومحصنةٌ من الداخل والخارج، فكانت حصنًا منيعًا يُحاط بسبعةٍ وثلاثين برجًا عملاقًا، ولكنها لم تكن مَعلَم نصرٍ قط بل كانت وليدة الخوف.

قصة بنائه:
أولًا: اختيار المكان والتخطيط:
ففي عام 1238م كان العالم الإسلاميّ يتعرض لهجوم الحملات الصليبية منذ أكثر من قرنٍ، وبعدها بدأت الإمبراطورية الإسلامية بالتقلّص بسبب ضغط الممالك المسيحيّة.
حينها كانت قشتالة وأرغون قد سقطتا تحت حكم النصرانية، فبدأ بعض الملوك بالبحث عن ممالك لهم ليحتموا بها من الزحف المسيحيّ، فأتى محمد من بني نصرٍ إلى الجنوب (غرناطة) في ظروفٍ غامضةٍ، وعندما وصل بدأ بالبحث عن مكانٍ مناسبٍ لبناء حصنٍ منيعٍ لحماية عائلته بني نصرٍ، فكان قد سمع عن صرحٍ مشابهٍ تم بناؤه قبل مائة عامٍ على رأس جبلٍ، فصعد ليتحرى الأمر فكانت تلة سبيكة على ارتفاع مائة مترٍ، وتحيط بها جبال سيراننادا، فتُخيِّل له قصر أحلامه، وشرعوا برسم شكل البناء، وبدؤوا بالخطوة الأولى وهي بناء الحصن المشيّد والمعروف بالقصبة ليكون معقلًا ضخمًا لاحتواء جنوده، ولم يكن همهم البناء العسكريّ فقط، بل تزيين البناء وبناء الحدائق الخلاّبة، والنوافير بأشكالٍ متعددةٍ، وبجانبه تم بناء مكانٍ مخصصٍ (المدينة) ليتمكن الأشخاص الذين يديرون هذا الحصن من العيش فيه، فكان يحتوي على سبل الحياة من مخابز، ومدبغة، ومخازن للحنطة والشعير، فقد كانت مزدهرةً بالحياة.
وكان القصر محاطًا بسورٍ عظيمٍ، موزعٌ عليه أبراج مراقبةٍ بانتظامٍ، وكان من أهدافها الرئيسية مراقبة الزحف المسيحيّ، وقد أُسس وقتها نظامٌ استخباراتيٌّ جيدٌ لهذه المهمة، وتم استخدام الصفائح العاكسة والنار والدخان بشكل ٍمشفّرٍ للتحذير عندما يكون هناك خطرٌ وشيكٌ بين الأبراج ليتم إيصال الخبر للقصر، وعندما وصل الزحف إلى إشبيلية، تم رفع الأبراج لارتفاعٍ أكبر.

ثانيًا: الشروع في البناء:
أما عملية البناء فكان الأساسيّ في كل برجٍ عبارةً عن حجرةٍ مربعةٍ تحتوي على الأقواس في داخلها، مكررةٍ عى شكل طبقاتٍ تشبه الكعكة، ولكن عندما استمر البناء للأعلى تبيّن أن البناء في الأسفل ضعيفٌ ولا يحتمل إضافةً فتم ملء هذه الأقواس في الطبقات السفلى لتزداد متانة البناء، ولكن واجهتهم مشكلةٌ كبيرةٌ وهي كيفية إيصال المياه من النهر في الأسفل الموجود في شمال الموقع (نهر داروا) إلى أعلى الجبل (الحصن) فلم يكن هناك مصدرٌ للماء على تل سبيكة، حيث إنهم صمموا الحدائق الخلابة المزروعة بالورد وغيرها من الأشجار الجميلة، بالإضافة لبعض المزارع للفاكهة والخضار والنوافير التي تمتاز بالتصميم الإسلامي لكنها جميعها تحتاج الماء، فبدأ المهندسون ومحمد الأول بالعمل من أجل ذلك، فبدؤوا مباشرةً بالبحث عن مصدر النهر للوصول لنقطة تكونُ أعلى من القصر، وترك الباقي لطاقة النهر، ولكن لم تكن هناك أيّ نقطةٍ موجودةٍ، فتم بناء سدٍّ فوق مستوى حصن الحمرا، ليحافظوا على الضغط الكافي لتغذية الحصن، فيكون هذا السد شبكة صهاريج قادرةً على تزويد مياهٍ تكفي لملء بركة سباحةٍ ضخمةٍ كل خمس ثوانٍ لتصل إلى الحمراء الواقعة في الأسفل، فتتدفق مياه الخزان المجمعة إلى قناةٍ مرصوفةٍ بالطابوق، وتسمى الساقية ولكن كل هذا كان بداية المشروع فقط.
فكان هناك أكثر من عقبةٍ بعد، أوّلها وجود الخزان في وادٍ بين ثلاثة تلالٍ، ولإيصاله إلى الحمراء، عليهم بناء قناةٍ مائيةٍ، طولها 6 كيلومتر، تتعرج عبر التلال المحيطة، ويجب أن تنقل حمولة سبعة ألاف بركة سباحةٍ، بحجم البركة الأولومبية يوميًا لإعالة السكان المتزايدين، وتلبية احتياجاتهم، وستنجح إذا حُفرت في أسفل التل بانحدارٍ ثابتٍ فقط، وحتى عندما وجدوا التلال في طريقهم بنوا طريقًا خلالها، فساعد ذلك التربة لتفادي خطر الانهيار، وأخيرًا تم بناء قناةً مائيةً بين آخر تلةٍ (جنات العريف) والحمرا، وهنا وصلت المياه إلى الحصن وبكمياتٍ توفر بناء الحدائق والنوافير التي تجعل من الحصن جنةً على الأرض، وكانت تمتاز بأنها مياهٌ جاريةٌ لا تركد أبدًا وهذا ما جعلها عذبةً باستمرارٍ، ولكن ماذا إذا زاد منسوب المياه عن الحد المطلوب! فسوف يؤدي ذلك إلى تزاحم المياه وإعاقة حركتها في الساقية، فتم تركيبُ صمام أمانٍ وعملُ مسارٍ جانبيٍّ للمياه التي تزيد عن المنسوب وتعود لتصب في نهر رادوا من جديدٍ، وعندما ظهرت مشكلة الجفاف في الصيف بسبب استهلاك الحمرا مخزونها كاملًا، فتم بناء مجموعةً ضخمةً من الخزانات أُقيمت على منطقةٍ مرتفعةٍ على تل جنات العريف، ولإيصال الماء إلى تلك الخزانات تمّ تسخير حمارٍ لتحريك آلية مسنناتٍ خشبيةٍ متتاليةٍ، وعندما يسير الحمار في دوارٍ فإنه يُحرّك دولابًا أفقيًا، وهذا الدولاب يُحرك دولابًا آخر مُسننًا يحمل معه أوعيةً خاصةً لنقل المياه.
تعطلت مخارج المياه في هذه البركة حين حاول الأسبان التعرّف على سر انتظام تدفق المياه بالشكل الزمنيّ الذي كانت عليه، وقد وصلت براعة المهندسين المسلمين في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي حداً كبيراً في صنع أشكالٍ مختلفةٍ من الفوارات يفور منها الماء كهيئة السوسنة، ويتم تغييرها حسب الحاجة ليفور الماء كهيئة الترس وفي أوقاتٍ زمنيةٍ محددةٍ، وتمثل فوارات قصر الحمراء وجنة العريف نموذجًا متطورًا لِما وصلت إليه إبداعات المسلمين في ذلك الوقت.
وفي الختام؛
لكن لم يشأ الله أن يُكمل محمد الأول حلم البناء كاملًا، توفي قبل نهاية العمل واستمر الخلفاء من بعده ببناء السور حول الحصن، وبناء القصور التي سيكونون فيها، فكان لكل ملكٍ بصمةٌ خاصةٌ به تُميزه.

المصادر :
غرناطة وقصر الحمراء ، محمد توفيق ،ص75, 76, 77, 78, 79
https://masyaf4all.justgoo.com/t496-topic

 


لا توجد تعليقات

اكتب تعليق



من أعد المقال؟