.





بيري ريَّس الجزء الثالث ..

بيري ريَّس الجزء الثالث

بيري ريَّس الجزء الثالث ..
الأدمرال الحاج احمد محي الدين بري و كتاب البحرية

يري ريَّس:
هو أحد العباقرة العثمانيين في القرن السادس عشر، كان بحاراً وراسم خرائط.
يعرف بيري ريس بأنه: أدميرال بحار، وراسم خرائط عثماني، عاش في القرن السادس عشر ميلادي. له خريطة مشهورة أُكملت عام ١٥١٣، واكتشفت عام ١٩٢٩ في قصر طوبى کابى ”الباب العالي“ في اسطنبول، وهي أقدم خريطة تركية معروفة يظهر فيها العالم الجديد ”أمريكا“، كما أنها إحدى أولى الخرائط على المستوى العالمي التي تظهر بها أمريكا.
يظهر في نصف الخريطة السواحل الغربية لكل من أوربا وشمال أفريقيا، كما يظهر الساحل الشرقي للبرازيل، و يظهر أيضًا المحيط الأطلسي وجزره، بما فيها الكناري وجزر الآزور بدقة عالية ..
تعرضنا في المقال السابق لأحد منجزاته و اليوم في هذا المقال سيناقشأحد إنجازات الأدميرال ريس ، ألا وهو كتابه ”كتاب البحرية“.

كتاب البحرية وهو من أشهر كتب الملاحة في عصر ما قبل الحداثة، وكان يحتوي على معلومات مفصلة ودقيقة للتنقل بين موانئ ومدن البحر الأبيض المتوسط، كما كان يحتوي على خرائط دقيقة للغاية. وكان غنيًا بالمعلومات التي تتحدث عن الخلجان والرؤوس والجزر وأشباه الجزر والمضائق والمراسي الآمنة في البحر الأبيض، كما تحدث عن الملاحة وعن المعلومات الفلكية التي لها علاقة بالإبحار، وذكر أيضًا معلومات عن السكان المحليين في كل مدينة وبلدة والغريب من ثقافتهم.
وقد كتبت النسخة الأصلية لهذا الكتاب بين العامين ١٥١١-١٥٢١، لكن عدلت الخرائط والمعلومات المذكورة فيه إلى الأفضل في العامين ١٥٢٤-١٥٢٥، بغية تقديمه هدية إلى السلطان سليمان القانوني. وقد رسم بيري ريس هذه الخرائط والمخططات أثناء رحلاته مع عمه كمال، وكانت الطبعة النهائية المنقحة من الكتاب قد حوت على ٤٣٤ صفحة و٢٩٠ خريطة ومخطط.

كتاب البحرية يتألف من قسمين رئيسيين: القسم الأول يتحدث فيه عن العواصف وأنواعها، كما يتحدث عن تقنيات استخدام البوصلة مع الخرائط البورتولانية، وذكر فيه معلومات مفصلة حول الموانئ والسواحل، كما ذكر فيه طرق تحديد الاتجاهات باستخدام النجوم في المحيطات الكبرى والأراضي المحيطة بها. وقد أولى اهتمامًا خاصًا لاكتشافات كولومبوس في العالم الجديد، كذلك لاكتشافات فاسكو دا گاما vasco da gama وغيره من البحارة البرتغاليين في طريقهم إلى الهند وبقية آسيا.
أما القسم الثاني من الكتاب؛ فهو مكون بشكل كامل من خرائط بورتولانية وأدلة وشروح عنه. يحتوي الكتاب الغير معدل والمكتوب في العام ١٥٢١؛ على ما مجموعه ١٣٢ خريطة لجزيرة أو لساحل مع شرح عنهم، أما الكتاب المعدل المكتوب في العام ١٥٢٥؛ فيحوي على ٢١٠ خريطة. القسم الثاني من الكتاب يبدأ بوصف عن مضيق الدردنيل، ثم يتحدث عن جزر وسواحل بحر إيجه، وبعده البحر الآيوني، فالبحر الأدرياتيكي، ثم البحر التيراني والبحر الليغوري، وأيضًا شاطئ بحر رفيرا الفرنسي، وجزر البليار وسواحل إسبانيا عبر مضيق جبل طارق إلى جزر الكناري، إضافة إلى سواحل شمال إفريقيا ومصر ونهر النيل وبلاد الشام وسواحل الأناضول. يحتوي هذا القسم أيضًا وصفًا للمباني والمعالم الشهيرة في كل مدينة، وكذلك سيرة عن بيري ريس نفسه، ولماذا فضل كتابة هذا الكتاب وعدم جمعه في خريطة واحدة كبيرة؟ مفسرًا ذلك بأن الكتاب سيحوي حواشي عن كل خريطة فيه، أما بخريطة بواحدة فلا يمكنه فعل ذلك. ناهيك أن الخرائط الصغيرة لن تستوعب هذا المستوى من الدقة والتفاصيل.
توجد نسخ كثيرة لهذا الكتاب في متاحف ومكاتب حول العالم, توجد نسخة من عام ١٥٢١ الغير معدلة في قصر طوبى كابى في مكتبة النورسومانية، والمكتبة السليمانية في اسطنبول، ومكتبة جامعة بولونيا، والمكتبة الوطنية في ڤيينا، ومكتبة فرنسا الوطنية في باريس، والمتحف البريطاني في لندن، ومكتبة بودليان في أكسفورد، ومتحف والترز للفنون في بالتيمور. أما الطبعة المعدلة في عام ١٥٢٥ فهي موجودة في قصر طوبى كابى في اسطنبول، وفي مكتبة الباشا فاضل أحمد بالإضافة إلى مكتبة فرنسا الوطنية.
بول كال كان رائدًا في دراسة كتاب البحرية، وقد كرس شرحه عن الكتاب في مجلدين. وقد أصدره باللغة الألمانية فقط وكان هنالك مساهمات جيدة في نفس الموضوع على يد soucek، كما كان ل mantran مساهمات وتعليقات حول شروحات بيري ريس حول سواحل كل من الجزائر وتونس ومصر وفرنسا، كما كانت هنالك تعليقات على يد الإيطالي bausani حول شروح بيري عن سواحل إيطاليا والبندقية والبحر الأدرياتيكي كما كان المحيط الهندي موضوع اهتمام ايضاً.
ولقد قامت وزارة السياحة والثقافة في تركيا بنشر الكتاب في الأعوام ١٩٨٨-١٩٩١ وذلك ضمن أربعة مجلدات. وقد نسخت فيه الصور بذات الألوان الأصلية ونقل النص المرفق من الحرف العثماني الى الأبجدية التركية المعاصرة بالإضافة إلى نسخها إلى اللغة الإنكليزية. وقد أثار كتاب البحرية اهتمام كل من علماء الآثار واللغة والجغرافية والتاريخ.

كما يجدر بنا ذكر الاختلافات التي كانت بين نسختي الكتاب . فالنسخة الأولى كانت غاية بيري منها مساعدة البحارة، أما النسخة الثانية فقد أعدها بغرض إهدائها كأفخم هدية للسلطان، لذلك كانت النسخة الثانية أكثر نماقة وزخرفة وأشرف على رسم خرائطها أساتذة في رسم الخرائط، وكان ينظر إليها أثرياء العثمانيين على أنها مثال واضح على الفخامة. ولمدة قرن أو أكثر لاحقًا أعدت نسخ عديدة منها لصالح أشخاص هامين، فكانت كل مرة ينسخ بها يزداد الكتاب فخامة وزخرفة، وكان الجانب الأكثر فخامة هو إظهار العواصف والبوصلات والخرائط مع إعطاء شروحات جيدة عن كل منها، كما شروحات عن الطرق الفلكية في إظهار الاتجاهات بالنسبة للبحارة. وكان من الكتب القليلة التي أعطت شروحات عن الأراضي التي اكتشفها كولومبوس في العالم الجديد، والبحار التي دخلها البحارة البرتغاليون في المحيط الهندي. كما تحوي هذه النسخة على ٢١٩ مخططًا لتفصيلات البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجه، وأخرى عن بحر مرمرة بدون وجود نصوص.
يوجد في مكاتب أوروبا حوالي ثلاثين مخطوطة من مخطوطات كتاب البحرية، معظمها من النسخة الأولى له وقد أعطيت درجة الممتاز من حيث الدقة والتفاصيل وهي كما سنوضح في التالي:
النسخة الأولى:
1. اسطنبول، قصر طوبى كابى، ms بغداد ٣٣٧.
2. اسطنبول، مكتبة نورسمانية، ms ٢٩٩٠ .
3. اسطنبول، مكتبة السليمانية، ms آيا صوفيا ٢٦٠٥.
4. بولونيا، مكتبة الجامعة، مجموعة مارسيلي، ms ٣٦١٢.
5. فيينا، بيبلوثيك الوطنية،MS HO192 .
6. درسدن، Staatbibliothek, MS Eb 389.
7. باريس، بيبلوثيك الوطنية في فرنسا، MS Suppl. turc 220.
8. لندن، المتحف البريطاني،MS Oriental 4131.
9. أكسفورد، مكتبة بودليان، MS Orville X infra.
10. الولايات المتحدة، توجد ضمن مجموعةwalters art ،المتحف الفني في بالتيمور MS W658.
النسخة الثانية:
1. اسطنبول، مكتبة طوبى كابى، MS Hazine 642.
2. اسطنبول، مكتبة فضيل أحمد باشا، MS 171.
3. اسطنبول، مكتبة السليمانية، ms آيا صوفيا ٣١٦١.
4. باريس، بيبلوثيك الوطنية في فرنسا، MS Suppl. turc 956.
تعليمات البحارة في كتاب البحرية:
ترجم كتاب البحرية على يد هيس، كما كتاب بحر العلم sea loree، وهو معروف بأنه من النمط البورتولاني، وقد أعطى البحارة معلومات جيدة وهامة عن سواحل المتوسط كما جزره وخلجانه ومضائقه، وكذلك أعطى المأوى الآمن وسط البحار، كما الموانئ والمراسي وحدد المسافات والجهات بين مختلف الأماكن.
ووفقًا لگودريتش goodrichh ، فإنه الكتاب الوحيد الحاوي لأكثر التفاصيل دقة في بحر ايجة والبحر المتوسط. وقد كانت نصوصه وخرائطه تتويجًا لحوالي مئتي عام من جهود العلماء والبحارة .
وقد وصف بريس bricee الكتاب بأنه أضخم نوع من الدراسات الاستقصائية المفصلة عن قطع طويلة من الشرائح الساحلية المتداخلة في البحر المتوسط، كما خفض من قيمة مقياس الرسم في خرائطه.
وفي مقدمته قد ذكر بري ريس، أنه حينما صمم خريطة العالم في وقت سابق كان قد أخذ بالحسبان آخر الاكتشافات في ذلك الوقت. من بحر الصين والبحر الهندي، والتي لم يكن قد سمع بها أهل أوروبا بعد. كما أعطى أسباب إقدامه على صناعة هذه المجموعة فقال:
” إن الله لم يعطني القوة التي تمكنني من ذكر جميع الأشياء التي ذكرتها أعلاه من الجزر المزروعة وأماكن الموانئ المهجورة، بالإضافة إلى أماكن المياه حول الشواطئ والجزر والأماكن المرجانية في البحر الأبيض المتوسط، في تلك الخريطة وقد قال الجميع بأنها كانت ملخصًا. ولذلك فإن الخبراء في هذا العلم قد وضعوا ‘المخطط البياني’ مع زوج من البوصلات بحسب مقياس الأميال كما وضعت كتابة جانبية مباشرة عليها. ولذلك هنالك ثلاث نقاط فقط يمكن أن تنسجم مع مسافة ١٠ أميال، وهنالك أماكن أقل من ذلك، وعلى هذا الحساب فقط تسعة نقاط سوف تناسب مسافة قدرها ثلاثين ميل. ولذلك فمن المستحيل أن تظهر على الخريطة كافة النقاط من موانئ مهجورة وجزر مزروعة والأماكن المنسية والمياه، بالإضافة للأماكن المرجانية في البحر. وعلى الجانب فإن الموانئ المذكورة أعلاه كلها موانئ مناسبة وتوجد بها العديد من السفن وهكذا ,,,, وإن كان هنالك شخص يقول بأنه من الممكن وضعه في الحواشي فإن الجواب في تلك الحالة أن الحواشي ستصبح ضخمة بحيث لا يمكن استخدامه على متن السفينة، ولهذا السبب فإن رسامي الخرائط يضعون الحواشي عن السواحل والجزر الكبيرة ولكن بحجم مناسب وتستخدم لمعلومات القيادة.“

وحين دون بيري ريس تلك الملاحظات في كتاب البحرية فإنه زود حواشيه بمعلومات جيدة لتفادي المعلومات التجريبية لدى القيادة، ولذلك وضع الكتابة والشروحات بجانب الخرائط، لتفادي مختلف أوجه القصور فيها.
وقد نظمت محتويات الكتاب في فصول. وكان عدد الفصول في النسخة الأولى ١٣٢، بينما ٢١٠ في النسخة الثانية. ويرافق كلًا منهم خريطة لساحل أو جزيرة، ويتضمن الكتاب جملة من الخرائط والمخططات عن كل من جزيرة خيوس ومعبر نوفوغراد ومدينة البندقية وجزيرة جربة..الخ. وكان من المؤكد بأن بيري يضع الخرائط والمعلومات النصية ليؤكد كل منهما الآخر، وفي بعض الأماكن كان بيري ينقل أعمال غيره ويضيف إليها بعض التحسينات.
وقد بقيت نسخة من الكتاب في الولايات المتحدة الأمريكية في معرض والترز للفنون في بالتيمور تحت الرقم MS W658 ، ضمن مجموعة من ستة عشر خريطة، وكانت محط اهتمام من غودريتش goodrich. الخرائط الأربع الأولى، الخريطة الثالثة منهم كانت خريطة للعالم في كرة مزدوجة، ويبدو أنها لم تظهر في أية مخطوطة أخرى. وعلاوة على ذلك يلاحظ غودريتش بأن الخريطة تشبه إلى حد كبير خريطة Guillaume de L’Isle المرسومة عام ١٧٢٤ . أما الخريطة الرابعة فهي خريطة عالمية بيضوية تظهر المحيط الأطلسي في المركز. كما يلاحظ غودريتش أيضًا أن الخريطة اللاحقة كانت ل Anoldo di Arnoldi مرسومة في العام ١٦٠١ قد أنتجت كخريطة عالمية من قطعتين من الورق في مسقط بيضوي يسمى Universale descritione del mondo وهو تقريبًا نفس النمط الذي اتبعه بيري ريس.
وتتجلى ثروة المعلومات في كتاب البحرية على شكل سلسلة من المقالات التي تتحدث عن سواحل المتوسط، أربع خرائط منها للساحل الفرنسي، وهي تغطي بعض المواقع الهامة هنالك مثل مدينة نيس وموناكو والتي دوّن بيري بأنها تمتلك العوامل المناسبة كي تكون مرسى جيد. أما مرسيليا فأعطاها اهتمامًا أكبر وقال أنه من هنالك تنظم وتنطلق رحلات البحرية الفرنسية . وقد ذكر تفاصيل عن منطقة لانغدوك من رأس creus وحتى ايغوس مورتيس عن سواحلها وموانئها وسبل مياهها والمسافات فيها وأكثر من ذلك بكثير. كما تضمن الكتاب رسومات وصور غير الخرائط.

 

#الباحثون_المسلمون


لا توجد تعليقات

اكتب تعليق



من أعد المقال؟